حارس الذاكرة والمكان
بغياب رهيف فياض تفقد المدينة صديقها الحقيقي. وسوف تفتقد الأرصفة أقدامه، وهو يقطع المدينة كل يوم مثل سائح يجول في شوارعها لأول مرة. يبحث عن تفصيل في بناء أو في العمارة المبعثره الهجينه.


بغياب رهيف فياض تفقد المدينة صديقها الحقيقي. وسوف تفتقد الأرصفة أقدامه، وهو يقطع المدينة كل يوم مثل سائح يجول في شوارعها لأول مرة. يبحث عن تفصيل في بناء أو في العمارة المبعثره الهجينه. عمارة لا هوية لها، لقيطه لا نسب لها، رتيبه لا حياة بها ولا روح. كان يطمح في تجواله اليومي أن يعثر على تفصيل لا ثرثرة معمارية به، أو شيء يذكّره بروح المدينة الحزينة، التي التهمتها أنياب سماسرة الدين والمال والسياسة، و تجار يزنون بالمال وبالإنسان.
بغياب رهيف فياض، تخسر المدينة ظلها، وشاعر أبنيتها. يغيب نورها الحقيقي، لتبقى أضواء شوارعها المفتعله، المتصنعه، تضيء شوارع لا نبض فيها، ولا رائحة بها لعرق الفقراء، مدينه باتت تشبه جزيرة طُرد منها سكانها الحقيقيون، المتعبون المكافحون، قبل أن يحتلها الغزاة الجدد، وكلهم بلا وجوه، يشبهون بعضهم في أنيابهم البارزة، ويتشاركون الفتك في الثقافة والمسرح والفن الراقي، وقد وجدوا في المطعم وعالم الموضة والماركات العالميه عنواناً للمدينة التي ولدت لأب مجهول الهوية والعنوان!
المدينة المستنسخة؛ هي المدينة التي حاربها رهيف فياض، وقد وقف في المدينة المستولدة قيصرياً، وسكنه هاجس حماية روحها وتاريخها وأصالتها. وكان الرعب يسكنه وهو يرى المدينة تسقط علينا دون خجل، مدينة تفتعل الحياة من دون جدوى. وتعكس شوارعها ليلاً، ظلال أبنيتها القابعه بحذر، أبنيه صامتة لا حياة بها؛ وكأنها تتربص بالمارة وتخفي شراً لهم، وقد حوّلها الغزاة إلى مدينة صامتة. يسورها الفراغ وتتسلق الوحدة جدرانها كالغبار.
بغياب رهيف فياض
تخسر المدينة؛ معلماً ثقافياً من قلة نادرة بقيت لنا وللوطن بعدما انتشر التافهون كالطاعون في الأمكنة، وأغاروا كأسراب من الجراد على كل معلم كان يضيء في الأمس عقولنا؛ ففتكت به!
يرحل مثقف وعالم، بينما يسارع تافه لملء الفراغ، لتنمو طائفة التافهين، والتي صارت مع الوقت احتلالاً حقيقياً، يجب مقاومته ولو احتاج عقوداً، لكنه سيزول!
* المدير الأسبق لكلية العمارة
